الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة "أغورا" لعلاء الدين سليم: عائدون رغم استحالة الحلم

نشر في  01 ماي 2025  (21:25)

تعتبر السينما المستقلة أحد أهّم الخيارات الانتاجية التي تناولت مواضيع بعيدة كل البعد عن المواضيع التي تهم السينما التجارية. فرغم صعوبة عاملي التمويل والتوزيع التي أحاطت بهذا الخيار (منذ نشأته في الولايات المتحدة الامريكية كردّة فعل عن سينما الأستوديوهات) الا أنّه لا يزال صامدا و لا تزال انتاجاته تغزو العالم و تقدم للمتفرج نوعيّة متميّزة من الأعمال السينمائية. وانّ دلّ صمود هذه الاعمال على شيء، انما يدلّ أنّ لهذه النوعية فئة من المتلقين التي تهتم بها و تجد فيها ضالتها كنوع من الفرجة التائقة لهذه التجارب المتميّزة.

تاريخيا عرفت السينما المستقلة بداياتها في الولايات المتحدة خلال ستينات القرن العشرين، كردّ فعل مضاد لنظام الأستوديوهات التقليدي حيث كانت تتميز بميزانيات منخفضة و مواضيع جريئة و مثيرة للجدل ثم تطورت لتشمل قضايا اجتماعية و ثقافية معاصرة.

عمّ هذا الخيار الانتاجي جميع دول العالم و انتشر في العالم العربي حيث تشارك مع نظرائه في العالم في تحديات مثل محدودية التمويل و صعوبة التوزيع و الرقابة الصارمة و لكن نموه تواصل مع بروز أسماء عديدة مثل هشام العسري بالمغرب و كريم موساوي بالجزائر و علاء الدين سليم في تونس وقد أضفى هذا الأخير على أفلامه طابعا خاصا.

 ولد علاء الدين سليم سنة 1982 و درس الإخراج في المعهد العالي لفنون الملتيميديا بمنوبة أين تخرج عام 2004. بدأ مشواره السينمائي بإخراج أفلام قصيرة، ثم تعززت تجربته بأوّل فيلم طويل "آخر واحد فينا" عام 2016 الذي فاز بجائزة اسد المستقبل في مهرجان البندقية السينمائي ثم "طلامس" في 2019 الذي عرض ضمن اسبوعي المخرجين في مهرجان كان السينمائي و فاز بجائزة افضل فيلم في مهرجان الفيلم العربي في زوريخ.

في عام 2024 اخرج فيلم "اغورا" الذي يستخدم أسلوبا يجمع بين الواقعية و العجائبية و الذي حصل على جائزة "باردو فيردي" في مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي، وشكلّ هذا الفيلم نقلة في مسيرة هذا المخرج اذ كيف استعمل الوسائل السينماتوغرافية (اخراج، إيقاع، مشاهد صوتية، فضاءات، رموز) لطرح تساؤلات تخص الفرد داخل المجموعة وكيف ساهم ذلك في إرساء الحدود بين الواقع واللامرئي؟ وبأي معالجة واجه عودة الشخصيات -التي اختفت سابقا- لمجموعة تواجه أزمات متعددة؟

لأن ارتبطت السينما تاريخيا بتجربة التنويم و الاسترخاء و تلقي الصورة بصورة سلبية لدى عديد النقاد أمثال رولاند بارث الذي قرن تجربة الغرفة المظلمة بتجربة التنويم المغناطيسي، فإنّ سينما علاء الدين سليم توقظ جميع الحواس فينا و تدفعنا الى التساؤل عما يحيط بينا و تتجاوزها الى دواخلنا. هذا التوجه المثقل بمسألة العصر و أزماته هو ما يلح عليه المخرج في أفلامه، و هو نقطة الالتقاء التي تجتمع فيها كل الوسائل السينيماتوغرافية التي يستعملها عبر الشاشة.

نلمح خيال علاء الدين سليم كمخرج يستغل فضاء تعبيره بحرية تامة متنقلا في فضائه الإبداعي كطير بلا قيود بين الحانة و المسجد على سبيل المثال و حاملا شخصياته معه، فنجد صاحب الحانة يستنجد بإمام المسجد من أجل منع شر العائدين عن المكان؛ و بين مركز الشرطة و المستشفى كفضاءين، احدهما مهمته دفع الشر عن أصحاب المكان، و الآخر مهمته ضمان سلامتهم الجسدية؛ بين المدينة و ضوضائها و مشاغلها و الطبيعة و سكونها و حكمتها يتنقل علاء كمسافر وطنه كل الأماكن و كمخرج ديكوراته تلخّص الحياة.

انّ ملامح المخرج التائق الى الحرية تلتصق شديد الالتصاق بعلاء حتى يراه المتلقي في كل مكان تكشفه الشاشة، هذا النسق الذي يتابعه المتلقي مع الشخوص خلق ايقاعا خاصا بالفيلم، ايقاعا داخليا تردد عبر تردد الآذان ليعلن في كل جزء من الفيلم نهاية مرحلة، هي نفسها اعلان عن بداية مرحلة جديدة.

 فمع تدخل كل طرف جديد لمعالجة قضيّة العائدين يرتفع الآذان كمعلن عن إمكانية انفراج الأزمة، ولكن تدخّل كل من الكلب والغراب يعيدنا الى واقع يشير الى أنّ استحضارهم يهدف لكتم قصة العائدين كي لا يتفطن لها متساكنو القرية عوض البحث عن أسبابها و نتائجها و الحلول الممكنة لتطويعها من أجل المرور بالمجموعة الى مرحلة من الانفراج. يعبر بنا علاء الدين سليم من الواقعي الى الديني وصولا الى مغزى الحكاية التي وجدت جذورها لدى ابن المفقع في كليلة ودمنة وعبرت الأزمنة حتى وصلت الى علاء الدين سليم.

هذا الإيقاع الذي صاحب العمليّة الاخراجية و الفيلم ما كان ليتحقق دون دعم الشريط الصوتي الذي جاء ليتحمل دور راوي إضافي في الفيلم، راوي يحمل في ذبذباته موسيقى مستقلة حينا و أصواتا تزعج راحتنا أحيانا تتخللها فترات صمت و كأن بالمخرج يمنحنا إياها لنتنفس مما يقطع الانفاس، يتخلل كل هذا دوي الآذان رمز البدايات و النهايات، رمز التواصل بين عالمنا و عالم الروحانيات، رمز الإنذار بكل المراحل والفترات.

هذه الرمزية تتجاوز المسموع في الفيلم وتمرّ الى المنطوق. فإن اكتفى علاء الدين سليم في فيلميه الروائيين السابقين " طلامس" و "آخر واحد فينا" برمزية الصوت والنظرة والحركة والألوان الا أنّه تجاوز كل ذلك الى الكلمة والى ما تحمله من معاني دون الخروج عن الرمزية التي تتعدى الكلمة الى الحيوان. فإن ارتبطت رمزية الكلب بالوفاء لدى البعض وبالنجاسة لدى آخرين، فقد فنّد كلا النظريتان بأن جاء المقطع الأخير محملا بصوت المصادح تعلو في المسجد بآيات من سورة الكهف وتروي كيف احتفى النصّ المقدس بالكلب وجعله مصاحبا لأهل الكهف في نومتهم وبأن جعله أوّل المغادرين لأرضه من أجل البحث -في آخر الفيلم- عن مكان آخر.

انه ليس كلب، انّه الكائن البشري بكل تناقضاته، وفيّ حتى تنفذ قدرته على التحمل أما الغراب نذير الشؤم فقد علّمنا كيف نواري سوأتنا. انّ الحيوان انما هو نحن ونسق تناقضاته يتبع نسق تناقضاتنا ونسق تناقضات المخرج والفيلم.

عزّز نسق الفيلم الصورة فجاءت مظلمة أحيانا، مضيئة حين يبعث اللون الأزرق فيها ضوء وكأنّما يأتي من عوالم أخرى، ضوء غير طبيعي، ضوء يعلن اننا من يصنع الضوء كما يريده دون قيود، و هو ما أكده علاء الدين عندما سأله أحد طلبة المدرسة العليا للسمعي البصري و السينما بقمرت عن سبب استعماله للون الأزرق، فأجاب كالآتي "استعمله لأنه يعجبني، لست بحاجة لأن تُقدم تفسيرا لكل ما تستعمله في فيلمك، انها فرصتك لتضع في هذه المساحة التعبيرية ما تريد". لعله ضوء علاء الدين يتقاسمه معنا او لعله برهانه على انّ السينما استقلال و تفرد او لا تكون، تجربة تعاش و لا ننفذ اليها الا عبر رمزيتها، رمزية تراوحت بين المرئي و اللامرئي في "اغورا" فإن جاء العائدون في هذا الفيلم على شكل بشر، الا اننا لا نرى في أي حال من الأحوال ملامحهم و لكن المتابع لأفلام هذا المخرج يعرف انّ عدتهم –عددهم- هي نفس عدّة أشخاصه في فيلميه السابقين.

 خلق علاء الدين سليم في "آخر واحد فينا" و في "طلامس" شخصيات عبر بها من الضياع في المدينة الى الضياع خارجها ثم عاد بيها من حيث أخرجها و كأنها لم تتحرك قيد أنملة و لكن صورتها تشوّهت. ومع هذا، عزّز عودة شخصياته بمشهد للأخبار يمر عبر التلفاز و شعار النظام السابق يصاحب الاخبار، و كأنّ الزمن توقّف بنا عند تعدد التجارب.

كما بدا لنا انّ هذه الشخصيات غادرت أفلامه السابقة التي غلّفها الصمت لتحلّ بمكان من سماته الاولى الضوضاء التي عبّر عنها من خلال اللجوء الى الحوار كتجربة أولى لعلاء الدين سليم. هذا الى جانب أنها عبرت فضاء اللازمان الذي كان حاضرا في فيلميه السابقين عبر اعتماده كسر كرونولوجيا الزمن و المثال الكلاسيكي للكتابة في ثلاث أوقات متباينة ثم عاد بنا الى الزمن العادي، الى التسلسل المنطقي للزمان و الاحداث.

 ان شخوص علاء الدين سليم مرّت من الواقع الى الضياع في عوالم الحلم لتعود الى واقع شوّهته إرادة سياسية تميّزت بكتم محاولة التغيير عوض البحث في كنهها وأسبابها وما يمكن أن تؤدي اليه.

تقف شخصيات علاء الدين سليم على حافة الحلم وقد يئست من تحقيقه وعلى اعتاب عالم عادت اليه فوجدت الازمات تحف به سياسيا، باعتماد شخوص غريبة تمسك بأعلى الهرم وأخرى بلا نفوذ في قاعدته، واقتصاديا عندما تثور المجموعة على السلطة في مشهد القاء الخضر والمواجهة أمام مركز الشرطة، وإنسانيا عبر مشهد مطالبة رمز الرحمة أي الإمام بإبادة الكلاب و مرور السلطة الى التنفيذ.

الكل يقبع في ظلمات المدينة ولا أحد ينجح أن يعبر الى ضوء لاغورا وما ترمز اليه.

لاغورا تجربة متفردة في مسيرة علاء الدين سليم، تجربة عمد فيها الى تغيير أشياء عدّة معتمدا الحوار والكتابة الكلاسيكية، وقد عبّر عن ذلك بأنّه " ختم مرحلة وأغلق آخر حلقة في سلسلة تجربتيه السابقتين ليمر الى تجربة جديدة" وهو المسافر بلا قيد في عالم السينما. انّ لعلاء الدين شرف التجربة رغم أني رأيت في لاغورا حيرة ترجمها تردد المخرج بين عوالمه السابقة و بين تجربته الجديدة.

 فهل أنّ علاء عابر عبر الحلم من عالم الرمزية المطلقة الى الواقع أو محاولة الالتصاق به أم أنّ أفلامه الآتية ستسجل عائدا آخر ملتصقا شديد الالتصاق بعلاء الانسان وهو علاء المخرج؟

بينما يغدقنا فيلم "أغورا" بعوالمه الخاصة، فإنّ فن علاء الدين سليم لا يسجل تحوّلا تاما في هذا الفيلم وانما يقف في منطقة العبور في حيرة أي الضفتين يختار.

 ريم الرقيق